السيد الطباطبائي

326

تفسير الميزان

المسجد - والمسلمون معه - فاختص الامر به ، أولا في شخص صلاته ثم عقب الحكم العام الشامل له ولغيره ، ولجميع الأوقات والأمكنة . قوله تعالى : وان الذين أوتوا الكتاب ليعلمون انه الحق من ربهم ، وذلك لاشتمال كتابهم على صدق نبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أو كون قبلة هذا النبي الصادق هو شطر المسجد الحرام ، وأيا ما كان فقوله : أوتوا الكتاب ، يدل على اشتمال كتابهم على حقية هذا التشريع ، اما مطابقة أو تضمنا ، وما الله بغافل عما يعملون من كتمان الحق ، واحتكار ما عندهم من العلم . قوله تعالى : ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ، تقريع لهم بالعناد واللجاج ، وان ابائهم عن القبول ليس لخفاء الحق عليهم ، وعدم تبينه لهم ، فإنهم عالمون بأنه حق علما لا يخالطه شك ، بل الباعث لهم على بث الاعتراض وإثارة الفتنة عنادهم في الدين وجحودهم للحق ، فلا ينفعهم حجة ، ولا يقطع إنكارهم آية فلو أتيتهم بكل آية ما تبعوا قبلتك لعنادهم وجحودهم ، وما أنت بتابع قبلتهم ، لأنك على بينة من ربك ويمكن أن يكون قوله : وما أنت نهيا في صورة خبر ، وما بعضهم بتابع قبلة بعض ، وهم اليهود يستقبلون صخرة بيت المقدس أينما كانوا ، والنصارى يستقبلون المشرق أينما كانوا ، فلا هذا البعض يقبل قبلة ذاك البعض ، ولا ذاك يقبل قبلة هذا اتباعا للهوى . قوله تعالى : ولئن اتبعت أهوائهم من بعد ما جائك من العلم ، تهديد للنبي ، والمعنى متوجه إلى أمته ، وإشارة إلى انهم في هذا التمرد إنما يتبعون أهوائهم وانهم بذلك ظالمون . قوله تعالى : الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنائهم ، الضمير في قوله يعرفونه ، راجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دون الكتاب ، والدليل عليه تشبيه هذه المعرفة بمعرفة الأبناء ، فان ذلك إنما يحسن في الانسان ، ولا يقال في الكتاب ، ان فلانا يعرفه أو يعلمه ، كما يعرف ابنه ، على أن سياق الكلام - وهو في رسول الله ،